محمد متولي الشعراوي

5826

تفسير الشعراوى

من قلبه ؛ فيظل أثرها مثل أثر الوكت « 1 » » « 2 » أي : مثل لسعة النار وهكذا تتوالى ؛ حتى يأتي الرّان على القلب . إذن : فالغفلة تتلصص على النفس الإنسانية ، وكلما غفل الإنسان في نقطة ، ثم يغفل عن أخرى وهكذا . ولكن من لا يغفل فهو من يتذكر الحكم ، ويطبقه ، ويذوق حلاوته « 3 » . ومثال هذا : المسلم الذي يشرح اللّه تعالى قلبه للصلاة ، فإن لم يصلّ يظل مرهقا وفي ضيق . ولذلك جاء في الحديث أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا ، فأىّ قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء ، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين : على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض ، والآخر أسود مربادا كالكوز مجخّيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه » « 4 » . إذن : فالغفلة هي أول باب يدخل منه الشيطان ؛ فيبعد الإنسان عن

--> ( 1 ) الوكتة : الأثر في الشئ ، كالنقطة من غير لونه ، والجمع : وكت . وفي الحديث : « لا يحلف أحد ولو على مثل جناح بعوضة ، إلا كانت وكتة في قلبه » . ومنه في حديث حذيفة : « . . ويظل أثرها كأثر الوكت » . [ اللسان : مادة ( وكت ) ] . ( 2 ) متفق عليه . أخرجه البخاري في صحيحه ( 6497 ) ومسلم ( 243 ) من حديث حذيفة بن اليمان وهو حديث طويل ، هاتان قطعتان منه . ( 3 ) هذه الحلاوة تحدث عنها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « ثلاث من كن فيه وجد حلاوة طعم الإيمان : أن يكون اللّه ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه اللّه منه كما يكره أن يقذف في النار » متفق عليه . أخرجه البخاري ( 16 ) ومسلم ( 43 ) عن أنس بن مالك . ( 4 ) أخرجه مسلم في صحيحه ( 144 ) وأحمد في مسنده ( 5 / 386 ، 405 ) من حديث حذيفة بن اليمان . مثل الصفا : الصخرة الملساء العريضة . مربادا : أسود مشوبا بغبرة . كالكوز : كلمة عربية صحيحة لا فارسية وهو كوب بعروة . مجخيا : مائلا ، أي : عن الاستقامة والاعتدال ، فشبه القلب الذي لا يعى خيرا بالكوز المائل الذي لا يثبت فيه شئ لأن الكوز إذا مال انصب ما فيه . [ انظر لسان العرب مادة : جخى ] .